هل بقي في لبنان مكان آمن للنزوح؟ هيلدا المعدراني

على الرغم من ان الخطط الاسرائيلية المعلنة لشنّ هجوم واسع على لبنان قد تبقى في إطار السيناريوهات المحتملة أو المشروطة بتدخل حزب الله لإسناد ايران، وقد تنجح الاتصالات الدبلوماسية في نزع فتيل المواجهة الكبرى في اللحظة الاخيرة، لكن لا يمكن تجاهل الاستنزاف الكبير وتداعيات التهديدات المتصاعدة مؤخرا، مع ما يعنيه ذلك من ربط ثلاثة مشاهد لا تزال حاضرة في اذهان اللبنانيين، بدءا من الضاحية الجنوبية لبيروت التي تسلّل الفراغ الى شوارعها وأحيائها مروراً بقرى الجنوب وما تبقّى من بنيتها العمرانية والخدماتية التي شهدت تدميرًا ممنهجًا بالتوازي مع الزحف البشري الهائل باتجاه بيروت، وصولاً الى الدولة التي تقف امام احتمال ضرب مرافق حيوية واقتصادية بما يتجاوز قدرتها على استيعاب تداعيات كل ذلك دفعة واحدة.

ورغم عدم صدور توجيهات للسكان في الضاحية بالإخلاء ونفي الحزب اي إعلان او تعميم بهذا الشأن، إلا أن القلق وحالة الترقب يطغيان على الضاحية وايقاع الحياة فيها، من دون التمييز بين الوقائع الميدانية والشائعات التي تزيد من حالة الهلع وبخاصة تلك التي تتحدث عن غارات مفاجئة قد تستهدف قياديين رفيعين في الحزب. والمسألة هنا لا تقتصر على النزوح وتدمير المباني بل تمتد الى الشلل شبه الكامل وانتقال المؤسسات والأعمال الى أماكن اخرى، وضرب جميع مقومات البقاء فيها وتحولها الى مساحة للانتظار، واستنزاف المقدرات المادية المتبقية والإرهاق من تكرار النزوح والعيش في انتظار الإنذار التالي.

وفيما تلوح اسرائيل بخيارات تتجاوز الردّ العسكري التقليدي على مواقع تابعة لحزب الله، فإن خطورة المعادلة تكمن في خروج المواجهة عن مسارها المعتاد مع سعي نتنياهو إلى إخراج بيروت والضاحية من دائرة التحييد الأميركية بما يفتح الباب أمام تجدد العمليات العسكرية فيهما.

وفي الجنوب، ثمة فارق بين شنّ هجوم واسع وما يجري تداوله حول نية الجيش الاسرائيلي احتلال قرى وبلدات جديدة او التوغل شمال الأولي ولا يمكن فصل ذلك عن التحذيرات المتداولة بشأن صور وصيدا والنبطية، في حين لم يعد الحديث عن قرار جماعي للأهالي في المغادرة والتعامل مع خطر الغارات، بل أصبحا خياراً عائلياً تحكمه الظروف والقدرات المادية على تأمين مسكن بديل او الانتقال للعيش مع الأقارب في مناطق أكثر أمنا فيما يضطر آخرون الى التعايش مع التهديدات حتى مع ارتفاع منسوب المخاوف.

ولعلّ المفارقة الأكثر إيلاماً تتمثل في أن أي موجة نزوح جديدة قد تأتي في وقت لم تعد فيه غالبية العائلات قادرة على تحمّل أعباء انتقال إضافي، في ظلّ الانهيار الاقتصادي، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع المداخيل وتقلّص الموارد، بعدما استنزفت موجات النزوح السابقة مدّخرات كثيرين ودفعتهم إلى استهلاك ما تبقّى لديهم من إمكانات. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: أين يمكن أن يذهب الناس إذا تحولت المواجهة إلى حرب واسعة؟ وهل تستطيع المناطق التي استقبلت النازحين في المراحل السابقة تحمّل موجة جديدة في ظلّ محدودية إمكاناتها؟